الشنقيطي
91
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تخفف أن . . البيت والفعل المذكور متصرف وليس بدعاء ، ففصل بينه وبينها بالنفي ؛ على حد قوله في الخلاصة : وإن يكن فعلا ولم يكن دعا . . البيتين . قوله تعالى : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها [ 49 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن الكتاب يوضع يوم القيامة . والمراد بالكتاب : جنس الكتاب ؛ فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا . وأن المجرمين يشفقون مما فيه ؛ أي يخافون منه ، وأنهم يقولون يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ . أي لا يترك صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من المعاصي التي عملنا إِلَّا أَحْصاها أي ضبطها وحصرها . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في مواضع أخر ؛ كقوله : وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ( 14 ) [ الإسراء : 13 - 14 ] . وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه . وبعضهم يؤتاه بشماله . وبعضهم يؤتاه وراء ظهره . قال : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) [ الحاقة : 25 ] الآية ، وقال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى سَعِيراً ( 12 ) [ الانشقاق : 7 - 12 ] وقد قدمنا هذا في سورة « بني إسرائيل » . وما ذكره من وضع الكتاب هنا ذكره في « الزمر » في قوله : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ [ الزمر : 69 ] الآية . وقوله في هذه الآية الكريمة : فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ تقدم معنى مثله في الكلام على قوله : * وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ [ الكهف : 17 ] الآية . والمجرمون : جمع المجرم ، وهو اسم فاعل الإجرام . والإجرام : ارتكاب الجريمة ، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه النكال . ومعنى كونهم « مشفقين مما فيه » : أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم السيئة ، وفضيحتهم على رؤوس الأشهاد ، وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي . وقولهم يا وَيْلَتَنا الويلة : الهلكة ، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا : يا ويلتنا ! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان حضورك ! وقال أبو حيان في البحر : المراد من بحضرتهم : كأنهم قالوا : يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا . وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [ يوسف : 84 ] ، يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ الزمر : 56 ] ، يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا [ يس : 52 ] ، وقوله : يا عجبا لهذه الفليقة ، فيا عجبا من رحلها المتحمل ، إنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى انتهى كلام أبي حيان . وحاصل ما ذكره : أن أداة النداء في قوله « يا ويلتنا » ينادي